Followers

Powered by Blogger.

محمد عبدالناصر يكتب : دليلك الثوري لمحاورة كبار السن والمواطنين الشرفاء !

1654251_795081517186519_2003351642_n



يحدث المشهد عادةً كالآتي: ثوري يتناقش مع قريبه أو جاره الفلول، أو والدة أحد أصدقائه التي تنتمي إلى حزب الكنبة، وفي وسط النقاش يشعر الثوري بأن من أمامه ينكر أبسط حقائق الأشياء.. يرى كبير السن أو المواطن الشريف أن الثوري خائن وعميل، ويتهم الثوري من كان يناقشه بأنه من العبيد وأنه محجوب عبدالدايم!


في مجتمع يتناقش بهذه الطريقة من المستحيل أن تنتصر الثورة على الاستبداد، وتغيير هذه الطريقة في الحوار ضرورة ثورية، لأنه لا يجب أن تنسى أن من تحاوره يحتمل جدا ألا يكون من القلة المستفيدة، وهو في الغالب مقهور مثلك، كما أنه في الغالب يقمع نفسه طواعية.


من الضروري جدا لتغيير القهر، أن نفهم ظروف القهر، وأن نعرف لماذا يرفض الناس أن يصيروا أحرارا رغم أنهم في أمس الحاجة إلى ذلك.


المفكر البرازيلي باولو فيرايري في كتابه “تعليم المقهورين” درس هذه الظاهرة باستفاضة، بعد أن أجرى تجاربه على أرض الواقع في مناقشة الفلاحيين البرازيليين وتشجيعهم على الثورة في أيام الحكم العسكري هناك، وسمى فيراري هذه الظاهرة بـ”الخوف من الحرية”.


هذا الخوف من الحرية يعود إلى سببين أساسيين: أولا الرغبة في السلامة، وإحساس الإنسان بأنه لو كان لديه وعي بالفساد فسيكون في خطر، أو قد يرتكب تصرفات عصبية تؤدي إلى الفوضى، وثانيا الفزع من فكرة الإحساس بالضياع أو انهيار العالم، مما يجعل الإنسان يصدق كلاما ربما يعلم في عقله الباطن أنه أوهام، ولكنه يريحه نفسيا ويشعره بأن الأمور على ما يرام.


خصائص شخصية المواطنين الشرفاء


لشخصية المواطن الشريف أو كبير السن المقهور بتراكم ضغوط الزمن والحكومة والإحباط عدة خصائص مهمة، يجب أن يكون الثوري واعيا بها قبل بدء الحوار:


1. المواطنون الشرفاء لا يعترفون بخوفهم من الحرية وينكرون ذلك، ولذلك يزعمون أحيانا أنهم هم المدافعون عن الوعي، ويقولون إن أفكارهم ووجهات نظرهم ناتجة عن الحكمة والعقلانية وطول الخبرة..إلخ.


2. بعض المواطنين الشرفاء يرون أن الخوف من الحرية أو الخوف من الوعي.. هو الحرية نفسها! ولأنهم يظنون أن الوعي بالفساد ربما يضر بمصالحهم التي يريدون الحفاظ عليها كما هي، ولذلك فهم ينكرون رفضهم للحرية أحيانا تحت شعار “حماية الحريات”، أو تفضيل السيئ على الأسوأ.


والإنسان لا ينحاز إلى الحقيقة أحيانا عندما لا تكون في مصلحته، فمثلا: ربما تجد صعوبة في إقناع مريض بحقيقة مرضه، على الرغم من أنه يرى أعراض المرض على جسمه، لكنه لا يملك ثمن الدواء، أو لا يريد أن يدفع سعر كشف الطبيب، فيدعي هنا بأنه على خير ما يرام وليس مريضا أصلا.


3. تعريف الإنسانية ليس موحدا عند جميع الناس، فأنت في ظروف معينة ترى أن الإنسان هو الرجل العادل أو الرحيم، لأنك تريد العدل والرحمة، ولكن المواطنين الشرفاء ومن يشعرون بالتهديد يرون أن الإنسان هو “الرجل القوي”، ولذلك فهم يبحثون عن هذا الرجل القوي الذي يتمنى كل واحد منهم لو كان مكانه، ويخافون على مصالح وسلطة هذا الرجل القوي بالنيابة عنه، كأنهم يخافون على مصالحهم وسلطتهم هم، لأن صورته في داخل نفوسهم تصبح أكبر من شخصياتهم المكبوتة.


4. المواطنون الشرفاء دائما ليست لديهم ثقة في أنفسهم ولا في الشعب، لأنهم من كثرة ما يستمعون إلى مزاعم السلطة بأننا شعب غير منتج وكسول ولا يتعلم ولا يقدم بدائل ولن يتحمل الاستيقاظ مبكرا..إلخ، يصدقون هذا الكلام ويرددونه، وهم يرون أنهم فعلا لا يعرفون شيئا، ويتساءلون دائما عن البديل، لأنهم لا يصدقون أنهم من الممكن أن يكونوا هم البديل، وينتظرون تغييرا مركزيا يهبط عليهم من السماء.


ولذلك فإن إحدى أهم تكتيكات الحوار مع المقهورين هي تشجيعهم على الثقة في أنفسهم، وإبداء الاحترام لهم، وإخبارهم بأن لديهم ما يستحق التقدير، وبأن ما لديهم من أفكار وإمكانيات قد يكون أفضل مما لدى الطاغية، وأنهم كثيرا ما كدحوا في الحياة، وليسوا كسالى ولا فاشلين، ولكنهم “مستغَلون” ومنهوبون!


5. النفوذ الأكبر للطاغية في نفوس المواطنين الشرفاء الغلابة الذين يصدقونه هو نفوذ نفسي، وليس نفوذ الأسلحة والقوات، ويمكن تبسيط مسألة “النفوذ النفسي” هذه بقصة الفيل، الذي يتم تقييده بقيد خشبي في قدمه وهو صغير، فلا يمكنه كسره، وعندما يكبر ويكون بمقدوره أن يكسره.. لا يحاول أن يفعل ذلك، لكثرة ما جرب وهو صغير وفشل!


والشعوب أيضا تظهر لديها أحيانا عقدة نفسية تشبه التي تحدث لهذا الفيل، لذلك فإنه من الضروري أن يتم إسقاط هذا النفوذ النفسي للطاغية بإسقاط هيبته في النفوس، ويحدث ذلك عندما لا يتم تثبيت فكرة أن معارضة الظلم مغامرة خطيرة، وقد تكون السخرية من فكرة تأليه الحاكم هنا سلاحا فعالا جدا، كما أن تكرار قصص انهيار الطغاة والمستبدين، وتأكيد أنها تحدث بالفعل في العالم وعندنا أيضا، يساعد المقهورين على مراجعة أفكارهم من الخوف من التحرر.


6. الحرية مزروعة داخل نفس الإنسان بالفطرة، وعندما يقاومها الإنسان ويدافع عن الجلاد الذي يؤذيه، فهو يصارع نفسه في الحقيقة، وهذا الصراع يتسبب في الكثير من التناقضات في الأفكار والازدواجية في القيم والمعايير.


إذا وجدت ازدواجية في خطاب أحد هؤلاء الأشخاص، فهي مدخل جيد لجعله يعيد التفكير، ويتجه إلى الحرية، إذا تمكنت فقط من التعامل مع الموقف بالشكل الأمثل، والشكل الأمثل ليس أن تحرج الناس أو تقوم بإذلالهم بأنهم مزدوجو المعايير، ولكن ادفعهم لطرح أسئلة جادة على أنفسهم بكل احترام.


المبادئ الأساسية لعملية التحرير باستخدام الحوار


هناك قواعد أساسية لعملية تحرير أفكار الناس من خلال الحوار، يجب أن تعرفها أنت وأنا كثوريين، لكي نتمكن من القيام بمهمتنا.


- أولا: فاقد الشيء لا يعطيه.. فلن تستطيع أن تحرر أحدا إذا لم تكن أنت حرا، وإذا كانت غايتك أن تقنع الناس بمسلمات جديدة غير قابلة للنقاش، أو إذا كنت تريد نقل تبعيتهم من الطاغية إليك أو إلى تنظيمك أو حزبك، فأنت تعمل في الحقيقة من أجل مشروع استبدادي جديد!


الثورة يا عزيزي هي بنت التفكير العلمي والناقد والمتشكك والساعي للتجريب والاختبار والإثبات والبرهان، وإذا لم تكن أنت تفكر بطريقة نقدية وتبحث عن الحقيقة بتجرد.. فلن تستطيع أن تقدم للناس شيئا، ويجب أن تتغير أنت أولا.


إن التحاور مع الناس ليس هبة منك ولا منحة ولا وسيلة للسيطرة عليهم، ولكنه ضرورة لمعرفة العالم واستعادة إنسانية الإنسان.


- المطلوب منك هو أن تساعد الإنسان على اكتشاف حقيقة نفسه أيا كانت، إذا كان رهينة في يد الطاغية، يجب أن يقف أمام هذه الحقيقة في لحظة من اللحظات، ويرى بعينيه نفسه وهو يمارس الازدواجية وينتحل صفة السلطان، وهذه الحقائق البسيطة والسهلة من الصعب جدا جدا أن تقنع بها الشخص الذي هي فيه فعلا..!


ولكن الخبر السار هو أنك لو تمكنت من إقناعه، فسيبدأ رحلة.. قد تكون طويلة، ومؤلمة أيضا ولكنها ستنتهي به بلا شك في ميلاد التحرر.


- تجنب أيضا أن تحشد في حوارك مع الناس كمية من شعاراتك التنظيمية أو الحركية التي لن يفهمها غيرك، ولا تحاول إقناع المواطن الشريف بحل بعينه، ولكن الفت نظره للمشاكل اليومية العادية، وانتقل معه من الهمّ المشترك الذي يتفق عليه الجميع إلى ما تريد أن تصل إليه من نتائج، وفق القواعد التي يفكر بها المواطن في حديثه.. ونجاحك هنا سيتوقف على قدرتك على جعل المواطن المقهور يستنتج بنفسه ما تريد أن تقنعه به.


- إن عدم تقدير الإنسان واتباع أسلوب التلقين أو الصراخ أو الخطاب الاستعلائي الذي تستعمله وسائل الإعلام، هو أحد أساليب القهر وليس أبدا من أساليب التحرير، وما تفعله وسائل الإعلام بعقول الناس هو “اللاحوار”، وهو شرط أساسي من شروط استمرار الاستبداد الذي يعتمد على عدم المناقشة.


ولأنك كثائر لست تليفزيونا أو وسيلة إعلام فلا يجب أن تفعل مثلما يفعلون، ولا تحاول زرع أفكار ثورية فجأة في نفوس الناس، لكن دعهم كما قلنا سابقا يصلون إليها.. واسأل نفسك كيف اكتسبت أنت الأفكار الثورية؟ ما هي رحلتك الفكرية ببساطة..؟ ثم ساعد غيرك على أن يخوض رحلة مشابهة حتى لو كان كبيرا في السن.. فلا يوجد أبدا وقت متأخر جدا كما يقول المثل الخواجاتي.


- وقبل أن تبدأ حوارا مع عمك الفلولي كبير السن أو جارك المواطن الشريف، عليك أن تفهم أنك تتحاور مع أهلك، ومع جزء لا يتجزأ منك، لست قائدا وهو تابع، ليس عبدا وأنت تمثال الحرية، كل ما في الموضوع أنه مقهور، والمودة معه ضرورية، حتى لو أبدى هو عنفا، والحب قاعدة أساسية، حتى لو لم تشعر بأنه يثمر شيئا في التو، وليس من مصلحتك أن تباعد عنك الناس الذين قد تحتاج إليهم فيما بعد، فإذا استسهلت أن تقول للمواطن المقهور إنه عبد وفقد إنسانيته، فقد انتهى الحوار، دون أن تتحقق منه أي استفادة ثورية.. والحد الأدنى من الاستفادة هو أن تجعل من ليس معك على الحياد، مع وجود فرصة متجددة للحوار، لا أن تحول كل من يختلف معك إلى عدو جديد.


مشروع فرق المحاورين الثوريين


وأخيرا: ما هو التطبيق العملي المقترح لترجمة كل ما سبق من أفكار على أرض الواقع؟


هناك فكرة مقترحة أسميها “فرق المحاورين الثوريين”، هذه الفرق تتكون من مجموعات من الشباب أو الفتيات، الذين تجمعهم الرغبة في التغيير، ويسكنون في منطقة معينة، أو يتقابلون فيها..


لماذا يجب أن يكونوا فرقة؟ أليس ممكنا أن تستخدم هذه الأفكار من قبل الأفراد..؟ ممكن جدا، ولكن من المعروف في علم النفس أن معظم الناس يميلون إلى تصديق ما يشعرون بأن عددا كبيرا من البشر حولهم يصدقونه.. والدعوة الجماعية إلى أي فكرة أنجح من الدعوة الفردية، وهذه هي ميزة العمل الجماعي.


كيف يتم تشكيل الفرقة؟ ببساطة. اختاروا اسما لكم، وضعوا لائحة داخلية لفض المنازعات من عشرة بنود، ومعها الاستراتيجية أو الخطة العامة التي ستسير عليها الحوارات، واعتمدوها بالاتفاق والتصويت، ثم انتخبوا بينكم منسقا تكون مهمته الرقابة على تنفيذ لائحة تسيير العمل فقط.



كيف تضعون الاستراتيجية؟ الأفكار الأساسية في هذا المقال، والتي بنيت أساسا على منهج باولو فيراري في “التعليم الحواري” لكبار السن ( ادخل على: http://www.4shared.com/office/g2kzG_Zc/___.html?cau2=403tNull&ua=WINDOWS )، يمكنها أن تكون البداية النظرية، وابدؤوا مثلا: بالتركيز على مجموعة من عشرين شخصا يجلسون على مقهى بانتظام لمدة شهر أو شهرين، أو بالتركيز على مجموعة سيدات يلتقين في حلقة معينة بانتظام لمدة ما، ثم استهدفوا في الأيام الأولى بناء مودة معهم دون الحديث في أي أمور أخرى، ثم بعد ذلك تبدؤون الحوار بالتركيز على التكتيكات التي شرحنا بعضها بالأعلى، حتى تصلوا إلى نقطة معينة تشعرون فيها بتحقيق بعض النتائج باستنتاج وتبني بعض الأشخاص للأفكار الثورية التي تتبنونها.


وإذا نجحتم.. فاكتبوا تجربتكم مع فرق المحاورين الثوريين، وعمموها على غيركم، ولا تتوقفوا أبدا عن الحوار مع المجتمع، فهذه عملية لا يفترض بها أن تنتهي أساسا.


أخي في الثورة والحلم.. أنت ستحصل على ما تريد من نتائج بالتراكم وعلى مدى طويل أو متوسط نسبيا، فإياك أن تيأس، ولا تنتظر من أحد أن يعلن أمامك فجأة أنه آمن بك بعد أن أفحمته في ضربة واحدة قاضية، فهذا شيء لا يحدث إلا في أفلام الخيال العلمي وكتب التراث العربي!


وعن تجربة شخصية أقول لك إنني أعرف أناسا كانوا ضد الثورة من أول يوم، ومع بعض أنظمة الاستبداد في وقت من الأوقات، وبتراكم الحوارات، وتوافر الأدلة والمنطق، ومع وجود الاحترام المتبادل وعدم التخوين أو المقاطعة على مر الأيام، تغيرت مواقفهم جذريا.. فلا يوجد رأي عام يمتاز بالثبات المطلق، ومن الممكن تعميم هذه النتائج على شرائح أكبر، بمضاعفة عدد الثوار الذين يبذلون جهودا منظمة وعلمية في هذا المجال.


هيا.. فلننطلق على الأرض، ولنساعد المدافعين عن جلاديهم على رفع رؤوسهم من جديد.


مُرحِّبًا بأية أسئلة على صفحتي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك:https://www.facebook.com/nasser.poet



محمد عبدالناصر يكتب : دليلك الثوري لمحاورة كبار السن والمواطنين الشرفاء !

شبكة نبض اونلاين
www.nabdon.com

0 comments:

Post a Comment